السرخسي

178

المبسوط

وأخوه غائب وأقام البينة انه قتل أباه عمدا فانى أقبل ذلك وأحبس القاتل فإذا قدم أخوه كلفهم جميعا أن يعيدوا البينة في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا يكلفهم إعادة البينة ولو كان هذا في دم خطأ لم يكلفوا إعادة البينة في قولهم جميعا وأجمعوا أن الحاضر لا يستوفى القصاص لتوهم العفو منه لهما إذ كل واحد منهما من الورثة خصم عن نفسه وعن أصحابه فيما يدعي للميت ويدعى عليه كما في الخطأ وغيره من الحقوق ولان القصاص حق الميت بدليل انه لو عفا عن الجارح صح وانقلب مالا تقضى منه ديونه وتنفذ وصاياه ويورث عنه ولهذا لو أقام القاتل البينة على صلح الغائب أو عفوه تقبل بينته ولو لم يكن الحق للميت لما قبلت لما فيه من القضاء على الغائب وإذا كان حق الميت فأقام الواحد مقام الجميع فكانت البينة قائمة على الخصم فلا يكلف اعادتها ولأبي حنيفة ان القصاص حق الميت من وجه وحق الورثة من وجه ولو كان كله حق الورثة يكلف إعادة البينة لان بعض الورثة لا يقوم مقام الكل فيما هو من خالص حقهم ولو كان حق الميت من كل وجه لا يكلف إعادة البينة فلما كان لكل واحد منهما حق كان المصير إلى الاحتياط استعظاما لامر الدم واجبا ولان القصاص معدول به عن سائر الأحكام للاستقصاء ( ألا ترى ) ان القاتل إذا ادعى العفو وقال لي بينة على ذلك وأجله القاضي أياما ولم يقدر على اقامتها فإنه لا يعجل بالقصاص ويتأنى بعد ذلك أياما هكذا ذكره محمد رحمه الله في الأصل بخلاف سائر الحقوق ولهذا لا يجوز اقرار وكيل القاتل على موكله بالقصاص بخلاف سائر المواضع والاحتياط أن يلحق هذا بالحقوق التي هي للورثة حتى أنه يؤمر بإقامة البينة فربما يعجز عن اقامتها فيسقط القصاص وإنما قلنا إنه يشبه حق الميت لما ذكر وبيان انه يشبه حق الروثة انهم لو عفوا عن الجارح في حياة المورث جاز عفوهم ولو لم يكن لهم حق لا يجوز كما لو أبرأ عن الدين في حياته بخلاف الصلح والعفو لأنه يثبت مع الشبهات والقصاص من وجه كالمورث لان ثبوته للوارث على سبيل الخلافة ومن وجه هو ثابت للوارث ابتداء وما ترد بين أصلين يوفر حظه عليهما ففيما يثبت مع الشبهات يجعله كالموروث وفيما يندرئ بالشبهات نجعله كالواجب لكل واحد منهما ابتداء فلا يكون أحد منهما خصما عن الآخر في إقامة البينة عليه وهذا بخلاف الخطأ فان موجبه المال وهو موروث للورثة عن الميت بعد ما تفرغ عن حاجته فكان بمنزلة سائر الورثة ينتصب كل وارث خصما عن الميت وعن سائر الورثة في اثباته على أن الخطأ ليس مبناه على التغليظ بدليل قبول شهادة النساء مع الرجال